القاضي عبد الجبار الهمذاني
37
شرح الأصول الخمسة
الخوف دعاء الدعاة وقصص القاصين وتخويف المخوفين ، وربما يكون ذلك بخاطر من جهة اللّه تعالى أو من جهة بعض الملائكة ، وربما يعتريه الخوف بأن ينظر في كتاب فيرى هناك مكتوبا : لا يأمن أن يكون لك صانع صنعك ، ومدبر دبرك ، إن أطعته أثابك ، وإن عصيته عاقبك . فعند هذه الأسباب أو عند بعضها لا بدّ من أن يخاف من ترك النظر ضررا ، حتى لو لم يخف البتة لم يكن مكلفا ولا عاقلا ؛ إذ العاقل إذا خوف بأمارة صحيحة خاف لا محالة . وقد تقرر في العقل أن دفع الضرر عن النفس واجب سواء كان معلوما أو مظنونا ، وسواء كان معتادا أو غير معتاد ، إذا كان المدفوع به دون المدفوع . فثبت وجوب النظر في طريق معرفة اللّه تعالى . فإن قيل : ما أنكرتم أن ضرر النظر أكبر من الضرر الذي يندفع به ؟ قلنا : لأن الضرر الذي يندفع بالنظر هو ضرر العقاب ولا شبهة في أن ضرر النظر دونه . هل يدفع الضرر بالتقليد أو الاضطرار أو المشاهدة ؟ ومتى قيل : إن ذلك الضرر يمكن دفعه عن النفس بالتقليد أو بأن يعرف اللّه تعالى اضطرارا أو مشاهدة فلا يحتاج إلى النظر والاستدلال ، قلنا : قد تكلمنا على هاتين المسألتين وبينا فساد التقليد وأنه تعالى لا يجوز أن يعرف اضطرارا ولا بالمشاهدة . ومتى قيل : إن ذلك الضرر مظنون فلا يجب دفعه ، قلنا : لا فرق بين أن يكون الضرر مظنونا أو معلوما في وجوب دفعه ، ألا ترى أنه لا فرق بين أن يشاهد في الطريق سبعا ، وبين أن يخبر مخبر بذلك ، فإنه يلزمه للتجنب عن سلوك تلك الطريق فعلى هذا يجري الكلام في ذلك . الربط بين الكلام في أن النظر أول الواجبات وبين وجوب النظر فصل : ثم إنه رحمه اللّه عطف على الجملة المتقدمة الغرض المقصود بالباب وهو الكلام في أن النظر في طريق معرفة اللّه تعالى أول الواجبات ، ورتبه على الفصل الذي قبله لما كان ذلك كلام في وجوب النظر ، وهذا كلام في أنه أول الواجبات . ودل على ذلك بأنه قال : سائر الشرائع من قول وفعل لا تحسن إلا بعد معرفة اللّه تعالى ، ومعرفة اللّه لا تحصل إلا بالنظر فيجب أن يكون النظر أول الواجبات . ونحن قبل إيراد الدلالة على ذلك نبين المراد بهذه العبارة فإن إطلاقها يوهم أنه لا يجوز أن يكون في الواجبات ما يجب على المرء حال توجه التكليف عليه كالنظر ،